الدكتور وائل عوّاد: الهند في 2025: الإنجازات والتحديات ودور القوة الناشئة

    الدكتور وائل عوّاد: الهند في 2025: الإنجازات والتحديات ودور القوة الناشئة

    الدكتور وائل عوّاد

    ودّعت الهند عام 2025 بإنجاز علمي لافت، تمثّل في نجاحها بتنفيذ واحدة من أبرز مهام الإطلاق الفضائي لهذا العام، بعدما نجحت منظمة أبحاث الفضاء الهندية (إيسرو) في إطلاق قمر الاتصالات الأمريكي “بلو بيرد بلوك-2” إلى مدار أرضي منخفض على متن الصاروخ الثقيل LVM3. 

    ويمثّل القمر، الذي يبلغ وزنه 6100 كيلوغرام، أثقل حمولة يتم رفعها على الإطلاق بواسطة هذا الصاروخ، في مهمة تُعد الرحلة التشغيلية السادسة لـ LVM3، والثالثة تجاريًا، ما يعكس تنامي الثقة الدولية في القدرات التقنية واللوجستية للهند في قطاع الفضاء.

    السياسة الإقليمية والأمنية

    سياسيًا وأمنيًا، جاء عام 2025 متقلبًا بالنسبة لشبه القارة الهندية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الملفات الخلافية مع الجوار. وظلّ النزاع مع باكستان الأكثر سخونة على مدار العام، على خلفية المناوشات المتكررة بين الجانبين، وحديثٍ عن وساطة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار، وهي وساطة نفتها الهند رسميًا.

    وفي السياق ذاته، تصاعدت حدة التوتر مع بنغلادش عقب إسقاط حكومة الشيخة حسينة واجد المقرّبة من نيودلهي، وما تلاه من تصاعد الخطاب المعادي للهند داخل الشارع البنغلادشي، إلى جانب استهداف الأقلية الهندوسية وبعض دور عبادتها، الأمر الذي أثار قلقًا رسميًا هنديًا متزايدًا.

    وعلى مستوى العلاقات الدولية الأوسع، شهدت العلاقات الهندية–الأمريكية قدرًا من التوتر، بعدما فرضت واشنطن تعريفات جمركية أعلى على بعض الصادرات الهندية، في رسالة عكست استياءها من موقف نيودلهي إزاء روسيا. ورغم ذلك، حافظ رئيس الوزراء ناريندرا مودي على نهج متزن، متجنبًا التصعيد، ومُبقيًا قنوات الحوار مفتوحة لمعالجة الخلافات العالقة، ضمن استراتيجية هدفت إلى حماية المصالح التجارية للهند، مع الاستمرار في تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، خصوصًا في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة، وأمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

    العلاقات مع الصين

    شهد منتصف عام 2025 اهتمامًا متجددًا بالعلاقات الهندية–الصينية، في ظل تصاعد القلق الأمني في نيودلهي. فقد أدّت الأنشطة الصينية المتزايدة لتطوير البنية التحتية بالقرب من خط السيطرة الفعلية إلى رفع مستوى التأهب داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الهندية. وردّت نيودلهي عبر تعزيز جاهزيتها الدفاعية وتسريع وتيرة تطوير البنية التحتية الحدودية، في استمرار واضح للنهج الذي أشرف عليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي منذ اشتباكات وادي غالوان، والقائم على مبدأ الردع الوقائي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي والعسكري لإدارة التوتر.

    الدور الريادي للهند عالميًا

    شكّل الدور القيادي للهند في الجنوب العالمي أحد أبرز أبعاد سياستها الخارجية خلال عام 2025. واستنادًا إلى الزخم الذي اكتسبته من رئاستها لمجموعة العشرين، عمل رئيس الوزراء ناريندرا مودي على ترسيخ موقع الهند كجسر استراتيجي يربط بين العالمين المتقدم والنامي.

    وفي المحافل الدولية، واصل مودي تسليط الضوء على قضايا العدالة المناخية، وتمويل التنمية، وتخفيف أعباء الديون، وضمان إتاحة التكنولوجيا للدول الأقل نموًا. كما أسهم تمسّك الهند بنهج الاستقلالية الاستراتيجية ورفضها الانحياز الكامل لأي من الكتلتين الغربية أو الشرقية في تعزيز مصداقيتها ونفوذها بين دول الجنوب العالمي، بوصفها فاعلًا يعكس أولوياتها ويسعى إلى إعادة التوازن في الحوكمة العالمية.

    التوازن في العلاقات الهندية–الروسية

    مع اقتراب نهاية عام 2025، باتت ملامح نتائج النهج الهندي في السياسة الخارجية أكثر وضوحًا. فقد حافظت نيودلهي على استقرار علاقاتها مع روسيا، رغم الضغوط الغربية المتزايدة، مستندة إلى اعتبارات استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بالطاقة والأمن، بما يعكس نجاح الهند في إدارة شراكاتها التقليدية بحكمة. وفي الوقت ذاته، واصلت العلاقات مع الولايات المتحدة مسارها التصاعدي في مجالي التكنولوجيا والأمن، حتى في ظل التوترات التجارية والخلافات التكتيكية، ما أبرز قدرة الهند على الجمع بين استراتيجياتها متعددة الأبعاد دون التفريط في مصالحها الوطنية أو التزاماتها الدولية.

    الاقتصاد والانفتاح

    شهد الاقتصاد الهندي نموًا قويًا ومستمرًا خلال عام 2025، مدفوعًا بالإصلاحات الهيكلية التي أطلقتها حكومة ناريندرا مودي. وأصبحت الهند رابع أكبر اقتصاد عالمي، مع توقعات لتجاوز ألمانيا قريبًا، ما يعكس مكانتها المتنامية في النظام الاقتصادي العالمي.

    وفي الوقت ذاته، تبنت نيودلهي إصلاحات لتحسين مناخ الاستثمار، شملت فتح قطاعات جديدة مثل الطاقة النووية أمام القطاع الخاص وتبسيط ضوابط الاستثمار الأجنبي. وساهمت هذه الخطوات في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، رغم الضغوط العالمية، ما يؤكد التزام الهند بالحفاظ على النمو الاقتصادي والانفتاح على الشراكات الدولية، بما يدعم قدراتها الاستراتيجية والسياسية على المستويين الإقليمي والدولي.

    التعاون مع الدول العربية

    في عام 2025، عززت الهند علاقاتها مع دول العالم العربي، مدفوعة بمصالح اقتصادية واستراتيجية مشتركة، وشهدت توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والتجارية مع عدد من هذه الدول. وتركّز التعاون على مجالات الطاقة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، في حين واصلت نيودلهي السعي لتأمين مصادر الطاقة وضمان استقرار أسواق النفط والغاز لدعم نموها الاقتصادي.

    كما أبدت الهند حرصًا على تعميق الروابط الثقافية والدبلوماسية مع المنطقة، من خلال تبادل الزيارات الرسمية والمبادرات الاقتصادية، وتعزيز الحوار حول الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب. وقد ساعد هذا التقارب على إضفاء توازن إضافي على السياسة الخارجية الهندية، ومنحها قدرة أكبر على توسيع دائرة شراكاتها بعيدًا عن التكتلات التقليدية، بما يتوافق مع نهجها في الاستقلالية الاستراتيجية وحماية الأمن القومي.

    خاتمة تحليلية

    من المرجّح أن يسجّل التاريخ عام 2025 بوصفه اللحظة التي عبرت فيها الهند عتبة استراتيجية غير مرئية. فقد تحوّلت نيودلهي من مجرد قوة موازنة في النظام الدولي إلى فاعل مؤثر قادر على صياغة السياسة الدولية، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية وأمنها القومي. تحت قيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ركّزت الهند على الكرامة في الدبلوماسية، والسيادة في صنع القرار، والواقعية في الانخراط الدولي، لتصبح نموذجًا للقوة الناشئة المستقلة. وفي الوقت ذاته، أعادت تعريف دورها كصوت جامع للدول النامية، قادرة على التوسط بين الشمال والجنوب والدفاع عن أولويات التنمية، العدالة، والتمثيل العادل في النظام الدولي، ما يجعل عام 2025 علامة فارقة في صعود الهند كقوة عالمية مستقلة وفاعلة.

    كاتب صحفي -مستشار في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية

    Please publish modules in offcanvas position.