الدكتور وائل عوّاد
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، سيعود العالم مرة أخرى للحديث عن حرية التعبير بوصفها قيمة عالمية قيمة يجب الدفاع عنها والاحتفاء بها وصونها. لكن بالنسبة لكثير من الصحفيين، لم يعد هذا اليوم يمثل مثالًا يُحتذى، بل أصبح يمثل مفارقة مؤلمة.
أنا لا أتحدث عن حرية الصحافة كمبدأ نظري. بل أتحدث عنها كمن دفع ثمنها وعاش تداعياتها.
إن ذكرى تغطيتي لحرب العراق عام 2003 كصحفي مرافق للقوات الأمريكية وما أعقبها من احتجاز بانتظار قرار الاعدام لم تفارقني يومًا. لا تزال حاضرة في كل نقاش أخوضه حول دور الإعلام في النزاعات. لقد نجوت في العراق. ونجوت في أفغانستان حين اغتيل الزعيم أحمد شاه مسعود واحتُجزت تحت تهديد الإعدام.. ونجوت في كارغيل قي اقليم جامو وكشمير ، حيث تعرضت لإطلاق النار، لكن كثيرًا من زملائي لم ينجوا.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها: الصحفيون اليوم لا يكتفون بتغطية الحروب، بل أصبحوا جزءًا منها ليس باختيارهم، بل بفعل واقع مفروض.
اللغة التي نستخدمها كثيرًا ما تُخفي هذه الحقيقة. نتحدث عن “ضحايا” و”نيران متبادلة” و”أضرار جانبية”. لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة. فالصحفيون ليسوا فقط معرضين للخطر، بل يتم استهدافهم بشكل متعمد من قبل جهات حكومية وغير حكومية على حد سواء.
هذا ليس اتجاهًا هامشيًا، بل تحولًا بنيويًا.
في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وخارجه، لم يعد استهداف الصحفيين حدثًا عرضيًا، بل تحوّل إلى تكتيك واضح من تكتيكات الحرب. فإسكات ناقل الحقيقة يُنظر إليه كميزة استراتيجية، إذ يسمح بالتحكم في السردية وتضليل الرأي العام، وجعل كلفة العنف أقل ظهورًا وأضعف مساءلة.
وتكشف الأرقام عن خطورة هذا التحول. فقد كان عام 2025 من أكثر الأعوام دموية للصحفيين، حيث قُتل ما لا يقل عن 125 صحفيًا، من بينهم 104 في ساحات القتال—وهي النسبة الأعلى منذ عام 1992. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل كانت مسؤولة عن مقتل اثنين من كل ثلاثة صحفيين قُتلوا خلال العام، بما يقارب 86 صحفيًا، في حين قُتل 43 صحفيًا آخرين في أنحاء مختلفة من العالم بشكل متعمد.
ومع دخول عام 2026، لم يتوقف النزيف بل أصبح أكثر رسوخًا. فالتقديرات الأولية تشير إلى مقتل عشرات الصحفيين خلال الأشهر الأولى من العام، معظمهم في بؤر الصراع المفتوحة، من غزة إلى جنوب لبنان وأوكرانيا. هذه الأرقام، وإن كانت لا تزال في طور التحديث، تعكس واقعًا لا يمكن تجاهله: استهداف الصحفيين لم يعد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح جزءًا من منطقها.
وكان من بين آخر الضحايا على يد القوات الاسرائيلية ،الزميلة آمال خليل، الصحفية المخضرمة في صحيفة الأخبار اللبنانية، التي قُتلت بدم بارد وفي ظروف تشير إلى استهداف مباشر، وقبلها مراسل قناة الجزيرة الزميل محمد وشاح في قطاع غزة، حيث لقيا حتفهما أثناء تأدية مهامهما الصحفية في رسالة صريحة مفادها أن نقل الحقيقة أصبح، بحد ذاته، جريمة يُعاقَب عليها.هذا عدا عن اكثر من 40 صحفيا” فلسطينيا” مازالوا في السجون الاسرائيلية، ناهيل عن سياسة التنكيل وفرض الاقامة الجبرية بحق الصحفيين الفلسطينيين.
الأخطر من ذلك أن غياب المساءلة الدولية الفعلية حوّل هذه الجرائم إلى نمط متكرر. فحين تمر عمليات القتل دون تحقيق مستقل أو محاسبة حقيقية، تتحول الرسالة إلى ضوء أخضر ضمني—بأن إسكات الحقيقة ليس فقط ممكنًا، بل قليل الكلفة سياسيًا.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تصاعد في أعداد الضحايا، بل تآكل في منظومة الحماية الدولية للصحافة. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح الصحفي في الميدان مكشوفًا بالكامل—أمام النار، وأمام الإفلات من العقاب
هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد العنف، بل تكشف عن نمط متكرر من الاستهداف المباشر، حيث لم يعد الصحفي مجرد شاهد على الحرب، بل أصبح هدفًا فيها.
لكن التهديد لم يعد يقتصر على ساحات القتال.
نحن ندخل عصرًا تتعرض فيه الحقيقة نفسها لهجوم ممنهج. الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق (Deepfakes)، وتضخيم المحتوى عبر الخوارزميات لم تعد مخاطر مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيد تشكيل كيفية إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها. إنها تطمس الخط الفاصل بين الحقيقة والزيف، وتجعل من الصعب على الجمهور التمييز بين الواقع والتلاعب.
في هذا السياق، يواجه الصحفيون خطرين متلازمين: خطر الاستهداف الجسدي، وخطر فقدان المصداقية.
أن تكون صحفيًا اليوم يعني أن تعمل تحت تهديد مزدوج: أن يتم إسكاتك… أو ألا يتم تصديقك.
وهذا مزيج مدمّر. فهو لا يهدد سلامة الصحفيين فحسب، بل يقوّض الدور الأساسي للصحافة في المجتمع.
لأن استهداف الصحفيين قتلًا أو سجنًا أو تشويهًا لا يقتصر أثره على المهنة. بل يمتد إلى المجتمع بأسره. إلى الشعوب التي تعتمد على المعلومات الموثوقة لاتخاذ قراراتها. إلى أنظمة المساءلة التي تقوم على الرقابة والشفافية.
فبدون صحافة، لا توجد شفافية.
وبدون شفافية، لا توجد مساءلة.
وبدون مساءلة، تعمل السلطة بلا قيود.
لهذا، فإن القضية تتجاوز حرية الصحافة كمطلب مهني. إنها تتعلق بسلامة الفضاء العام ذاته. وبما إذا كانت الحقيقة لا تزال قادرة على أن تكون أساسًا للفهم المشترك في عالم يتزايد فيه الانقسام.
لقد كانت الاستجابة الدولية للاعتداءات على الصحفيين، في كثير من الأحيان، غير كافية. تُصدر الإدانات، وتُلقى البيانات، لكن المساءلة نادرة. وهذا الغياب للعواقب يبعث برسالة واضحة إلى كل من يسعى لإسكات الحقيقة.
رسالة مفادها أن كلفة استهداف الصحفيين يمكن تحمّلها.
وهذه رسالة يجب أن تتغير.
إن حماية الصحفيين لا تعني منح امتيازات لمهنة بعينها، بل تعني حماية وظيفة أساسية في أي مجتمع يدّعي احترام الحقيقة والعدالة والحكم الرشيد.
بالنسبة لمن عاشوا هذه المخاطر، فإن الأمر ليس نقاشًا نظريًا، بل واقعًا يوميًا.
وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كنا سنواصل الحديث عن حرية الصحافة، بل ما إذا كان العالم مستعدًا للدفاع عنها بالفعل.
لأن المخاطر لم تعد تقتصر على صحفيين أفراد أو حوادث معزولة.
بل تمتد إلى الفكرة ذاتها: هل لا تزال الحقيقة مهمة؟
وإذا سُمح لهذه الفكرة أن تتآكل، فإن التداعيات لن تتوقف عند حدود أي نزاع.
بل ستعيد تشكيل الطريقة التي نفهم بها العالم وما إذا كان هذا الفهم قائمًا على واقع حقيقي أصلًا.
الخلاصة:
السؤال الحقيقي اليوم هو: هل يمكن للحقيقة أن تصمد في عالم يمكن فيه التلاعب بكل شيء، وتسييس كل شيء، والتشكيك في كل شيء؟
دعوني أختم بهذه الحقيقة القاسية: الخطر الأكبر اليوم ليس أن الصحفيين يتعرضون للهجوم فهذا كان قائمًا دائمًا.
الخطر الحقيقي هو أن الحقيقة نفسها أصبحت قابلة للتفاوض.
وحين تصبح الحقيقة قابلة للتفاوض تصبح الحرية هشة.
وهذا ليس مجرد فشل في تحقيق العدالة، بل هو فشل للنظام الدولي في حماية تدفق الحقيقة ذاته.
وما لم تُدعّم المساءلة بإرادة سياسية حقيقية، وآليات قابلة للتنفيذ، وضغط دولي متسق فإن الحلقة ستستمر:
توثيق بلا عدالة وإدانة بلا عواقب.
كاتب صحفي سوري
رئيس نادي الصحفيين الأجانب في جنوب آسيا (FCCSA)
رئيس الرابطة الدولية للأندية الصحفية (IAPC)










