الدكتور وائل عوّاد
في عالم السياسة الدولية، لا تتكرر الأحداث بالطريقة نفسها، لكنها غالباً ما تعود بأشكال جديدة تعكس تحولات موازين القوى وتغير طبيعة الصراعات. ومن بين أكثر أدوات النفوذ تأثيراً في العلاقات الدولية يبرز النفط، الذي تحول منذ سبعينيات القرن الماضي من مجرد سلعة استراتيجية إلى أداة جيوسياسية قادرة على التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية للدول الكبرى.
عندما استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط سلاح الحظر النفطي عام 1973 خلال حرب أكتوبر، وجد الغرب نفسه أمام واقع جديد لم يكن قد استعد له. فقد أثبتت الدول العربية أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى وسيلة ضغط سياسي فعالة، وأن أمن الطاقة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للدول الصناعية. وأدى الحظر آنذاك إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وإلى اضطرابات اقتصادية واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا، كما دفع القوى الغربية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها المتعلقة بالطاقة والاقتصاد والأمن.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر أهمية من الحظر نفسه. فقد أمضت الدول الغربية العقود الخمسة التالية في بناء منظومة متكاملة تهدف إلى منع تكرار صدمة 1973. فتم إنشاء الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، وتنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في حقول جديدة خارج الشرق الأوسط، وتطوير آليات التنسيق بين الدول المستهلكة للطاقة. كما عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري في الخليج العربي، وربطت أمن إمدادات النفط منظومتها الأمنية العالمية.
بعد أكثر من نصف قرن، عاد النفط إلى قلب الأحداث الدولية من بوابة مختلفة تماماً. فالأزمة التي يشهدها مضيق هرمز عام 2026 لم تكن حظراً نفطياً بالمعنى التقليدي، بل تمثلت في إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم خلال المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهنا ظهرت مقارنات عديدة بين ما جرى عام 1973 وما حدث في هرمز، إلا أن الفوارق بين الحالتين كانت أكبر بكثير من أوجه التشابه.
في عام 1973 كان السلاح المستخدم هو النفط نفسه، وكانت القوة تكمن في وحدة كبار المنتجين وقدرتهم على التحكم بالإعدادات. أما في أزمة هرمز، فقد تمثلت الورقة الإيرانية في تعطيل حركة العبور عبر الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وبينما كانت الدول العربية عام 1973 تتحرك ضمن موقف جماعي منسق، وجدت إيران نفسها في مواجهة منفردة تقريباً، بينما كانت معظم الدول الخليجية المتضررة من إغلاق المضيق أقرب إلى موقع الضحية منها إلى موقع الشريك في التصعيد.
وتكشف هذه المقارنة عن تحول مهم في طبيعة القوة الدولية. ففي سبعينيات القرن الماضي كان التحكم بالإنتاج النفطي كفيلاً بإحداث هزة عالمية كبرى، أما اليوم فإن الأسواق أكثر تنوعاً، ومصادر الطاقة أكثر تعدداً، وآليات الاستجابة للأزمات أكثر تطوراً. صحيح أن أسعار النفط ارتفعت بشكل حاد خلال أزمة هرمز، إلا أن الاقتصادات الكبرى لم تتعرض للشلل الذي شهدته خلال أزمة 1973، كما لم تظهر ضغوط سياسية داخلية كافية لإجبار الحكومات الغربية على تغيير سياساتها بشكل جذري.
وفي هذا السياق برز دور حلف شمال الأطلسي وشركائه بصورة مختلفة عن النماذج التقليدية للتدخل العسكري. فالنقاش لم يكن يدور حول سيطرة مباشرة على المضيق أو فرض إدارة دولية عليه، بل حول إنشاء إطار أمني متعدد الأطراف يضمن حرية الملاحة ويمنع تكرار عمليات الإغلاق. وقد لعبت فرنسا والمملكة المتحدة دوراً محورياً في هذا التوجه من خلال بناء تحالف دولي واسع لتأمين خطوط الملاحة، بينما وفر الناتو البنية التنظيمية والتنسيقية اللازمة دون أن يتحول إلى الطرف التنفيذي المباشر في العمليات البحرية.
ويعكس هذا النموذج تحولاً مهماً في الاستراتيجية الغربية. فبدلاً من الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية المنفردة، أصبح الاتجاه نحو توزيع الأعباء الأمنية بين الحلفاء والشركاء الدوليين. وهو تطور يعكس إدراكاً متزايداً بأن حماية الممرات البحرية الاستراتيجية لم تعد مسؤولية دولة واحدة، بل أصبحت مهمة جماعية ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
غير أن العامل الأكثر تأثيراً في الأزمة لم يكن نفطياً أو بحرياً، بل سياسياً بامتياز. فقد كشفت المواجهة عن تباينات واضحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً فيما يتعلق بأهداف الحرب ومآلاتها. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تبحث عن تسوية تقلل من التكاليف الاقتصادية والعسكرية وتعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينظر إلى الصراع من زاوية مختلفة تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية ومنع أي عودة للنفوذ الإيراني.
وقد أدى هذا التباين إلى خلق حالة من التوتر غير المسبوق بين الحليفين. فالإدارة الأمريكية كانت معنية بإغلاق ملف الحرب وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية ودبلوماسية جديدة، بينما أصر نتنياهو على أن الأهداف الاستراتيجية للحرب لم تتحقق بعد. ولم يعد هذا الخلاف محصوراً في الغرف المغلقة، بل ظهر في التصريحات والمواقف العلنية التي عكست اختلافاً حقيقياً في الرؤية بين الطرفين.
وتبرز هنا مفارقة مهمة؛ فبينما نجح الغرب خلال العقود الماضية في تطوير أدوات للتعامل مع الأزمات النفطية، بدا أن التحدي الأصعب يتمثل في إدارة الخلافات السياسية داخل المعسكر نفسه. الأزمة لم تعد تدور فقط حول أسعار النفط أو أمن الملاحة، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي سيخرج من رحم الحرب، وحول قدرة الحلفاء على الاتفاق بشأن شكل التسوية النهائية.
إن المقارنة بين حظر النفط العربي عام 1973 وأزمة مضيق هرمز عام 2026 تكشف أن أدوات القوة لا تفقد أهميتها بقدر ما تتغير أشكال استخدامها. فالنفط ما زال عاملاً مؤثراً في السياسة الدولية، لكن فعاليته كسلاح سياسي لم تعد كما كانت قبل نصف قرن. لقد تعلم العالم من صدمة السبعينيات، وطور آليات للتكيف مع اضطرابات الطاقة، وبنى شبكات معقدة من التحالفات والمؤسسات والاحتياطيات التي تقلل من تأثير الصدمات المفاجئة.
ومع ذلك، فإن الدرس الأهم الذي تقدمه أزمة هرمز يتمثل في أن الصراعات المعاصرة أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُختزل في معادلة النفط وحدها. فالتكنولوجيا، والتحالفات العسكرية، والأنظمة المالية، والممرات البحرية، والخلافات بين الحلفاء، كلها أصبحت عناصر أساسية في تحديد موازين القوة. ولذلك فإن الفارق الحقيقي بين عامي 1973 و2026 لا يكمن في تراجع أهمية النفط، بل في انتقال مركز الثقل من التحكم الإمدادات إلى إدارة شبكة واسعة من المصالح والتحالفات والقدرات المتشابكة.
وبين الحظر النفطي العربي الذي هز النظام الدولي في سبعينيات القرن الماضي، وأزمة مضيق هرمز التي اختبرت توازنات القرن الحادي والعشرين، تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن أدوات النفوذ تتغير، وأن القوى الكبرى تتعلم من أزماتها، لكن الصراع على الطاقة والممرات الاستراتيجية سيظل أحد أهم محركات السياسة الدولية في المستقبل المنظور
كاتب صحفي مقيم في الهند ومستشار مميز في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية










